يابانوفيل، عندما كنت يابانياً

العقلية اليابانية في الأعمال!

في العادة تُرسل منظمة التجارة الخارجية اليابانية بريد إلكتروني لجميع الشركات اليابانية المُسجلة لديها والتي قد يكون لديها إهتمام بالاستثمار في بُلدان مُعينة. وبما أن الشركة التي أعمل بها مهتمة بالاستثمار في السعودية، في سبتمبر 2019م وصلنا برنامج زيارة تُجاري للسعودية لمن يرغب في التسجيل فيه، فوافق رئيس الشركة وقمنا بالتسجيل في البرنامج ورافقته بصفتي المنسق للاستثمار في دول الخليج والسعودية على وجه التحديد. فانطلقنا من “طوكيو” ثم إلى “دبي” وأخيراً وصلنا إلى “الرياض” ومنها زرنا عدة شركات وجهات سعودية ليطّلع الوفد الياباني المُرافق لي على فُرص الاستثمار في السعودية. وفي الحقيقة ما لمسته من الوفد الياباني منذ لحظة دخولنا لمطار الرياض هو”مبدأ المُقارنة”، حيث بدؤوا بالمقارنة بين اليابان والسعودية في كُل شيء صادفهُم تقريباً. بالطبع هُناك مفارقات كثيرة بين السعودية واليابان لا يختلف عليها أحداً، ولكن هذا يكشف لي مدى تحجر عقلية اليابانيين وعدم مرونتهُم. فمن الطبيعي أن يجدوا اختلاف بين بلدهُم و السعودية أو أي بلد آخر. حتى لو كان لصالح اليابان بفرق شاسع. ولكنهم كمُستثمرين يجب عليهم الاستفادة من الموارد البشرية، الفنية، التقنية والبنية التحتية المُتاحة في هذا البلد للإستفادة منها وتعظيمها في خدمة أهداف وتوجهات شركاتهم. ولذلك لم يبدّوا إهتمامهُم بالاستثمار بالسعودية، بل لم يرغبوا في الاستثمار بها بشكل صريح في نهاية البرنامج! بحسب إحصائيات وزارة الاستثمار السعودية، وهي الجهة المسئولة عن منح رخص الشركات الأجنبية للاستثمار في المملكة، أنه في عام 2019م لم تستثمر شركة يابانية واحدة في السعودية بينما نجد حوالي 100 شركة بريطانية، 82 شركة أمريكية وشركات أخرى من إيطاليا، ألمانيا، فرنسا، الصين، مصر والأردن استثمروا في نفس العام بالمملكة العربية السعودية. الأمر الذي يُفسر كلامي بأن اليابانيين لا يتميزوا بالمرونة واقتناص الفُرص والاستثمار في الأسواق الجديدة ذات القوة الشرائية الجيدة كالسعودية.

ومن ضمن فقرات البرنامج كانت هناك وليمة عشاء في حضرة سفير اليابان بالسعودية، فاستقبلنا وكان معنا مُديري شركات يابانية أخرى وموظفي سفارة اليابان و”مدير هيئة التجارة الخارجية بالرياض”، وبالصدفة جلست بجانبه. وبالطبع تبادلنا أطراف الحديث وصُدمت عندما وجدته لا يؤمن – بشكل شخصي – بمسألة استثمار الشركات اليابانية في السعودية، على الرُغم من كوّنه المسؤول عن التسويق لجذب تلك الشركات للاستثمار في السعودية!. بينما وجهة نظري كانت مُختلفة عنه تماماً، فأخبرته بأننا إذا عُدنا إلى حقبة الإمبراطور ميجي، سنجد أن الإمبراطور “ميجي” جلب الشركات والحكومات الأوروبية لليابان للإستفادة من خبراتهُم و تقدمهم التقني ومهاراتهُم في الإدارة ووضع الخطط والاستراتيجيات. وبالتالي لماذا لا تُوضّح للشركات اليابانية بأن هذا هو توجّه السعودية، وأننا نأمل أن تُشاركوننا. ولكن للأسف ما حصل هو العكس بل ورُبما يكون هذا سبب من أسباب عدم حماسهُم للاستثمار في السعودية. باختصار شديد ما توصلت إليه (ليس بسبب هذه الزيارة فحسب، بل بخبرة عمل لمدة أكثر من ٥ سنوات مع اليابانيين” هو أن الياباني دائم المُقارنة لكُل شيء خارج بلده بمثيله أو نظيره في مجتمعه الياباني.والمُشكلة أن كُل ما يحدث داخل اليابان – سواء كان جيد أو سيء – مُختلف عمّا يحدث حول العالم، على سبيل المثال، فمهارة إتقان اليدّ العاملة اليابانية تظهر بوضوح حتى لو قُورنت مع دول مُتقدمة أخرى مثل “أمريكا” أو “فرنسا”. ولذلك نجدهُم لا يتأقلموا بسهولة حتى عند النظر في فُرص الاستثمار في بلد أخرى، وبدلاً من استغلال الفرص يخلقوا المزيد من المشاكل حتى تفوتهُم الفُرصة كما فاتتهُم في السعودية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.