يابانوفيل، عندما كنت يابانياً

برود المشاعر!

واحدة من السلبيات التي أثارت اندهاشي صراحة وصدمتني أثناء إقامتي في اليابان مسألة أن اليابانيين باردي المشاعر تجاه أمهاتهم وآبائهُم  … فالياباني بمُجرد أن يبلغ سن 18 عاماً يعتبر نفسه شخصاً مُستقلاً عن والديه و له حياته الخاصة، بل ويجد في عدم الإهتمام بوالديه ورعايتهُم عندما يكبروا في السن نوعاً من أنواع الإستقلال … فهو لن يعتني بهُم عندما يمرضون، ولن يزورهُم – في الأغلب – إذا احتاجوا إليه حيث يعتبر نفسه في حِلّ من هذه المسئولية تجاههم. وفي الحقيقة، هُناك عشرات المواقف التي صادفتها بشكل شخصي تؤكد صحة كلامي، ولكن سأكتفي بذكر موقفين فقط منهُم حتى لا أطيل عليكُم الحديث.

الموقف الأول حدث لي أثناء دراستي بالجامعة، حيث كان لي صديق ياباني وذات مرة أخبرني بأن والدته مريضة وتحتاج لمن ينقلها للمُستشفى ولا يوجد أحد يقيم معها .. فسألته لما لا تذهب بها للمُستشفى وتطمئن عليها خاصة وأنه لا يوجد معها مرافق لكي يعتني بها فصدمني جوابه! … حيث قال لي بكل برود أن المُستشفى و بلدية الحي سيعتنوا بها، وأكمل حديثه قائلاً “هذه ليست مسئوليتي، فلكل منّا حياته الخاصة الآن!”. 

وهُناك موقف آخر حدث لي بعدما تخرجت من الجامعة وحصلت على درجة البكالوريوس، حيث جرت العادة أن أجتمع مع بعض أصدقائي اليابانيين في الجامعة كل فترة، وكان جميعهُم تقريباً يعمل في هذه الفترة بطبيعة الحال بعد تخرجهُم من الجامعة … فكُنت اتناقش وقتها مع أحدهم، وأنصحه بضرورة الإهتمام بأمه فهي من حملتّه وأهتمّت به حتى كبُر و أصبح ما عليه الآن، وبالتالي يجب عليه أن يهتم بها عندما تكبُر في السن ويُعطيها جُزئاً من وقته! فكان رده علي سريعاً لم يُفكر حتى فيه! حيث أخبرني بأنه لا يستطيع القيام بذلك بسبب ضغط العمل وطبيعة المُجتمع الياباني (والتي من ضمنهُم الشركة التي يعمل بها)  … فعندما يطلبه والديه، سيضطر إلى الاستئذان من الشركة للذهاب إليهم، وبالنسبة للشركة هذا السبب غير منطقي وغير مُبرر لترك العمل، وهذه للأسف من سلبيات دائرة الرأسمالية المُغلقة في اليابان.

 وبالتأكيد فهذه الصفة لم يولد بها الشخص الياباني، وإنّما قد يكون اكتسبها عندما رأى نفس الأفعال يقوم بها آبائه مع أبائهُم أو قد يكمُّن السبب في عدم تلقّيه الحنان الكافي من آبويه بسبب إنشغالهُم طوال حياتهُم في حلقة العمل المُفرغة التي لا تنتهي، والتي يُعاني هو نفسه منها الآن! وهذه الصفة تحديداً صدمتني كثيراً عندما وجدتها في المُجتمع الياباني، لأنها موجودة على العكس تماماً في مُجتماعتنا الإسلامية والعربية على حد سواء … فنحن منذ أن وعينا على الدُنيا ويتم تنشئتنا على طاعة الوالدين، ومسألة الإهتمام والعناية بهُم عندما يكبروا في السن أمر غير قابل للنقاش، فنحن نعتبر من لا يقوم بذلك شخص عاقاً لوالديه. 

بالإضافة لذلك، فهذه الصفة جعلتني أفكر وأصل إلى ما هو أعمق من مُجرد كوّنها صفة سلبية متسائلاً ” كيف يُمكِن لشخص يمتلك مثل هذه المشاعر الباردة تجاه والديه الأقرب إلى قلبه – من المُفترض – أن يكون صديقك؟” … على أية حال سأتحدث عن مدى إمكانية الحصول على صديق ياباني من عدّمه لاحقاً بشكل تفصيلي. 

الأمر كذلك ينطبق على تعامل الزوج مع أهل بيته، فهناك تعبير بدأ يتم استخدامه مؤخراً في المجتمع الياباني وهو “كازوكو سابيس 家族サービス” وتعني “خدمة الأسرة” ويعني أن الزوج عندما يضع من وقته ويستقطعه من ليبقى أو يجلس ويستمتع مع أهله إنما هي هي “خدمة” وليست أمر طبيعي يتم القيام به. العجيب أن كلمة “سابيس” والتي تعني “خدمة” يكثر استخدامها في مجال الأعمال، وهنا يكمن العجب في أن كيف يعتبر الرجل بقاءه مع أهل بيته كخدمة. حسناً، أعيد وأكرر ليس كل اليابانيين ولكن أغلبهم. وفي اعتقادي أن بين كل ١٠ يابانيين هناك ٧ أشخاص ينطبق عليهم ماذكرته سابقاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.